لن أرتدي الأبيض*
اعتاد أن يكون أنيقاً رغم أنه عامل في المخازن .. من ينظر إليه خارج أوقات العمل يحسبه نجما من نجوم السينما .. في هذا الصباح قرر أن يرتدي زيه الأبيض .. ركب الحافلة التي تقله إلى عمله في أحد مصانع الاسمنت المليئة بالجو المترب، ولأن البلاد لا زالت في حالة الحرب فقد تردد كثيرا في أن يرتدي هذا الطقم الأبيض .. ينظر إليه زملاؤه بشغف .. يتقولون عليه .. هل يعتقد أنه ذاهب لفسحة في أم الربيعيين .. هل يريد الأخ إثارة الموظفات أكثر ... لقد ضقنا به .. تلتف حوله النساء سواء هنا أو خارج العمل .. ألا يستحي..! هذا ( الدنجوان الأبله) وما إن وصلت الحافلة إلى داخل المصنع إلا و سمع الجميع صوت صفارة الإنذار تتعالى وفي ثواني معدودة تمتلئ السماء بالطائرات المعادية .. .. يرقد الجميع .. تهرول النساء لتختبئ بين الأشجار .. هو واقف 0 يضحك .. ترتمي الرجال على الأرض .. يسرع السائق ليجنب الحافلة بعيدا عنهم حتى إذا ما ضربتها الطائرات تكون بعيدة عنهم ... هو لا يزال واقفا .. تقترب الطائرات من سمائه .. ينتشي أكثر .. يقول رجل لآخر .. ما لهذا الأبله ألا يخشى الموت .. يرد الآخر وهو يرتعد خوفا .. ليس لديه أطفال كما لدي .. هكذا جعلتني أطفالي أرقد على التراب الموحل .. هذا الشاب المعتني بنفسه ربما يخاف على ملابسه البيضاء . .. إنه دائما يحب أن يكون مختلفاً. وتنظر إليه النساء باستغراب .. أنه شجاع .. إنه لا يهاب الموت ... يصرخ زميل له .. أرقد أيها الأبله ... قد تعرضنا جميعا للخطر ... لم ينظر إليهم وظل ينظر إلى السماء ويقول في نفسه ما لهذه الملابس البيضاء التي تعوقني على الانبطاح أرضا .. قد يكون حان موعد الارتقاء .. ليتني أحمل سلاحا .. ليتني أمسك هؤلاء الأوغاد .. مد يده للأعلى وكأنه سيمسك بإحداها.. وأخيرا صفارة الأمان .. قام الجميع من مواضعهم .. يهرولون إليه: ما بالك .. لم يعرهم سمعا .. وسار إلى مكان عمله .. وهو يفكر .. كان الموت قريبا جدا .. وأنا ومن حولي ليس لنا ما ندافع به عن أنفسنا .. هل هذه هي الحرب ... طائرات بمواجهة أيادي .. نزل على الأرض والتقط حجارة صغيرة .. قال: لو جاؤوا مرة أخرى سأحاربهم بهذه .. فقد يئست .. لا .. لن ألبس هذه الثياب مرة أخرى بل سأذهب لأرتدي المموه .. هذا هو مكاني الطبيعي ..سألقنهم درسا .. كيف سمحوا لأنفسهم أن يجعلوني هكذا أكره ملابسي البيضاء..